محمد بيومي مهران
83
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
وإلى تعارض بعضها مع بعضها الآخر في أحايين كثيرة ، وإذا ما أردنا أن نقدم الدليل على ذلك ، وأخذنا على سبيل المثال قصة تبلبل ألسنة الناجين من الطوفان ، لوجدنا أثر التوراة واضحا فيها - إن لم تكن منقولة عنها أو تكاد - ذلك أن التوراة حاولت أن تقدم تفسيرا ساذجا غير علمي لاختلاف اللغات والأجناس ، فروت أن الناجين من الطوفان أرادوا أن يبنوا برجا عاليا ، بغية الصعود إلى اللّه - عز وجل - في علياء سمائه ، إذ كانوا يحسبون السماء أشبه شيء بلوح زجاجي يعلو على الأرض بضع مئات من الأمتار ، فخشي اللّه شرهم واحتاط لنفسه فهبط إلي الأرض وبلبل ألسنتهم فتفرقوا شذر مذر ، ومن ثم فقد سميت المدينة « بابل » لأن الرب هناك بلبل لسان كل الأرض « 1 » . ولعل سؤال البداهة الآن : هل عمّ الطوفان الأرض كلها ، أم كان طوفانا خاصا بقوم نوح دون سواهم من العالمين ؟ يكاد يتجه غالبية المؤرخين الإسلاميين وعلماء التفسير إلى أن طوفان نوح كان طوفانا عاما ، وأنه أهلك كل من وما على وجه الأرض ، ولم يبق عليها إلا نوح ومن معه ، وإلا عوج بن عنق ، وأن السفينة طافت بالأرض كلها لا تستقر ، حتى أتت الحرم فلم تدخله ، ثم انتهت آخر الأمر إلى الجودي ، فاستوت عليه « 2 » . ويحتجون على ذلك بالآيات الكريمة « وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً » « 3 » ، وقوله تعالى : « قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ » « 4 » ، وقوله تعالى « وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ » « 5 » . وقوله تعالى : « فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ، ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ » « 6 » وقول الحبيب المصطفى ، سيدنا ومولانا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - « أول رسول أرسل
--> ( 1 ) تكوين 11 : 1 - 9 وكذلك كتابنا إسرائيل ص 117 وكذلك J . Gray , op . cit . , P . 104 . وكذلك عصام حفني : المرجع السابق ص 42 . ( 2 ) ابن كثير : البداية والنهاية ص 163 ، وكذلك ابن الأثير : المرجع السابق ص 72 . ( 3 ) سورة نوح : آية 26 ، 27 . ( 4 ) سورة هود : آية 40 . ( 5 ) سورة الصافات : آية 77 . ( 6 ) سورة الشعراء : آية 119 ، 120 .